ابن الجوزي

32

فضائل القدس

ومنهم من يغشى عليه ، فيرفع في الأذرع إليه . فشاهدنا هو لا يملأ النفوس إنابة وندامة ، ويذكرها هول يوم القيامة . فلو لم نركب ثبج البحر ، ونعتسف مفازات القفر ، الا لمشاهدة مجلس من مجالس هذا الرجل ، لكانت الصفقة الرابحة ، والوجهة المفلحة الناجحة . والحمد للّه على أن منّ بلقاء من يشهد الجمادات بفضله ، ويضيق الوجود عن مثله . وفي أثناء مجلسه ذلك يبتدرون المسائل ، وتطير اليه الرقاع ، فيجاوب أسرع من طرفة عين . وربما كان أكثر مجلسه الرائق من نتائج تلك المسائل ، والفضل بيد اللّه يؤتيه من يشاء لا إله سواه . ثم شاهدنا مجلسا ثانيا له بكرة يوم الخميس الحادي عشر لصفر بباب بدر في ساحة قصور الخليفة ، ومناظره مشرفة عليه . وهذا الموضع المذكور وهو من حرم الخليفة ، وخصّ بالوصول اليه ، والتكلم فيه ، ليسمعه من تلك المناظر الخليفة ووالدته ومن حضر من الحرم . ويفتح الباب للعامة فيدخلون إلى ذلك الموضع ، وقد بسط بالحصر . وجلوسه بهذا الموضع كل يوم خميس . فبكرنا لمشاهدته بهذا المجلس المذكور ، وقعدنا إلى أن وصل هذا الحبر المتكلم ، فصعد المنبر وأرخى طيلسانه عن رأسه تواضعا لحرمة المكان ، وقد تسطر القراء أمامه على كراسي موضوعة ، فابتدروا القراءة على الترتيب وشوقوا ما شاؤوا . واطربوا ما أرادوا ، وبادرت العيون بارسال الدموع . فلما فرغوا من القراءة وقد أحصينا لهم تسع آيات من سور مختلفات ، صدع بخطبته الزهراء الغراء ، وأتى بأوائل الآيات في أثنائها منتظمات ، ومشي الخطبة على فقرة آخر آية منها في الترتيب إلى أن أكملها ، وكانت الآية ( اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ) فتمادى على هذا السيّن ، وحسّن أي تحسين ، فكان يومه في ذلك أعجب من أمسه . ثم أخذ في الثناء على الخليفة ، والدعاء له ولوالدته ، وكنى عنها بالستر الأشرف ، والجناب الارأف . ثم سلك سبيله في الوعظ . كل ذلك بديهة لا روية ، ويصل كلامه في ذلك